ولى الله احمد بن عبد الرحيم الدهلوي ( الشاه ولي الله الدهلوي )

58

حجة الله البالغة

{ ألم ترى أَن الله يسْجد لَهُ من فِي السَّمَوَات وَمن فِي الأَرْض وَالشَّمْس وَالْقَمَر والنجوم وَالْجِبَال وَالشَّجر وَالدَّوَاب وَكثير من النَّاس وَكثير حق عَلَيْهِ الْعَذَاب } . أَلَيْسَ أَن كل جُزْء من الشَّجَرَة من أَغْصَانهَا وأوراقها وأزهارها متكفف يَده إِلَى النَّفس النباتية الْمُدبرَة فِي الشَّجَرَة دَائِما سر مدا ، فَلَو كَانَ لكل جُزْء مِنْهَا عقل لحمد النَّفس النباتية حمدا غير حمد الآخر ، وَلَو كَانَ لَهُ فهم لَا نطبع التكفف الحالي فِي علمه وَصَارَ تكففا بالهمة . فَاعْلَم من هُنَاكَ أَن الْإِنْسَان لما كَانَ ذَا عقل ذكي انطبع فِي نَفسه التكفف العلمي حسب التكفف الحالي ، وَمن خواصه أَيْضا أَن يكون فِي نوع الْإِنْسَان من لَهُ خلوص إِلَى منبع الْعُلُوم الْعَقْلِيَّة يتلقاها مِنْهُ وَحيا أَو حدسا أَو رُؤْيا ، وَأَن يكون آخَرُونَ قد تفرسوا من هَذَا الْكَامِل آثَار الرشد وَالْبركَة ، فانقادوا لَهُ فِيمَا يَأْمر ، وَينْهى ، وَلَيْسَ فَرد من أَفْرَاد الْإِنْسَان إِلَّا لَهُ قُوَّة للتخلص إِلَى الْغَيْب برؤيا يَرَاهَا ، أَو بِرَأْي يبصره ، أَو هتيف يسمعهُ ، أَو حدس يتفطن لَهُ ، إِلَّا أَن مِنْهُم الْكَامِل ، وَمِنْهُم النَّاقِص ، والناقص يحْتَاج إِلَى الْكَامِل ، وَله صِفَات يجل طورها عَن طور صِفَات الْبَهَائِم كالخشوع والنظافة وَالْعَدَالَة والسماحة ، وكظهور بوارق الجبروت والملكوت من استجابة الدُّعَاء وَسَائِر الكرامات وَالْأَحْوَال والمقامات . والأمور الَّتِي يمتاز بهَا الْإِنْسَان من سَائِر أَفْرَاد الْحَيَوَان كَثِيرَة جدا لَكِن جماع الْأَمر وملاكه خصلتان : أَحدهمَا زِيَادَة الْقُوَّة الْعَقْلِيَّة وَلها شعبتان شُعْبَة غائصة فِي الارتفاقات لمصْلحَة نظام الْبشر واستنباط دقائقها ، وَشعْبَة مستعدة للعلوم الغيبية الفائضة بطرِيق الوهب . وَثَانِيهمَا براعة الْقُوَّة العملية ، وَلها أَيْضا شعبتان : شُعْبَة هِيَ ابتلاعها للأعمال من طَرِيق بلعوم اخْتِيَارهَا وإرادتها ، فالبهائم تفعل أفعالا بِالِاخْتِيَارِ ، وَلَا تدخل أفعالا فِي جدر أَنْفسهَا ، وَلَا تتلون أَنْفسهَا بأرواح تِلْكَ الْأَفْعَال ، وَإِنَّمَا تلتصق بالقوى الْقَائِمَة بِالروحِ الهوائي فَقَط ، فيسهل عَلَيْهَا صُدُور أَمْثَالهَا . وَالْإِنْسَان يفعل أفعالا ، فتفنى الْأَفْعَال ، وتنزع مِنْهَا أرواحها ، فتبلعها النَّفس ، فَيظْهر فِي النَّفس إِمَّا نور وَإِمَّا ظلم ، وَقَول الشَّرْع شَرط الْمُؤَاخَذَة على الْأَفْعَال أَن يَفْعَلهَا بِالِاخْتِيَارِ بِمَنْزِلَة قَول الطَّبِيب شَرط الضَّرَر بالسم وَالِانْتِفَاع بالترياق أَن يدخلا فِي البلعوم ، وينزلا فِي الْجوف ، وأمارة مَا قُلْنَا أَن النَّفس الإنسانية تبلع من أَرْوَاح الْأَعْمَال مَا اتّفق عَلَيْهِ أُمَم بني آدم من عمل الرياضات والعبادات وَمَعْرِفَة أنوار كل ذَلِك وجدانا ، وَمن الْكَفّ عَن الْمعاصِي والمنهيات ورؤية قسوة كل ذَلِك وجدانا .